تقييم مرحلي وإعادة تموضع لإدارة الأزمة الأردنية
الدكتور رفعت الشناق
لقد عايشنا خلال الفترة الماضية عدد غير قليل من الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية التي يمكن إعتبارها عوامل مؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل الوضع الأردني. وفي ظل التطورات فإنني أعتقد أننا بحاجة الى إعادة تقييم موضوعي للوضع والمؤثرات وإعتبار التطورات الممكنة والتركيز على التطورات المحتملة. يأتي هذا بالضرورة لتعزيز الإجراءات الإحترازية لحماية الوطن والمصالح الوطنية العليا. إن قوتنا في قدرتنا على مواجهة كل إحتمالات التغيير بمرونة وثبات ولياقة ولباقة عالية، وقوتنا في أن نكون التغيير نفسه لا أن نكون هدفاً تسعى الأحداث الى تغييره لأن ذلك إن حصل، لا سمح الله، فهو إجهاز على كل مكتسباتنا ليس أكثر.
لقد شهد العام 2010 والربع الأول من العام 2011 تحولات وتطورات عدة وأصبحت وتيرة التغيرات متسارعة بشكل يقتضي تقييم متواصل لتطورات الأزمة والتحضير لاستجابات إستباقية وليست ردود أفعال حسب ما يتطلبه الوضع عند حصوله. وعليه فلا نزال مع الدعوة الى التخطيط الإستراتيجي لادارة الأزمة ودراسة جميع السيناريوهات المحتملة والتفكير المسبق بصيغة إجابات معدة لتساؤلات من نوع ماذا لو حصل كذا فما العمل بحيث يتم دراسة جميع التفاصيل والجزئيات وبدون إغفال لأي منها. والدافع لكل هذا هو ملاحظة أن بعض الأمور والتفاعلات الرسمية معها تظهر ردات فعل تبدو وكأنه لم يتم التفكير فيها بشكل مسبق.
بدأت مشكلتنا القديمة الجديدة في الأردن بسيطرة القلة على الأكثرية كطريقة سائدة لادارة الدولة مع ضعف في الرقابة والمسائلة وقصور في إتباع الشفافية التي تقتضي الإفصاح والمصارحة. وقد نتج عن هذا تجلٍّ للصورة القاتمة التي دفعت المحللين لتشخيص الوضع بأنه يشكل بمجموعة حالات غير شرعية من إساءة إستخدام وتوزيع الموارد الوطنية مما شكل أحوالاً متفاقمة من الشعور بالظلم والإهمال والتغييب وفقدان الإحساس العام بالعدالة من قبل الغالبية. وحسب الإدارة السائدة وبناءً على المعطيات فقد جرى إتخاذ بعض الإجراءات التي ركزت على حالات معينة بهدف تخفيف الإحتقان، وفي واقع الأمر فلقد كانت في مجملها إستجابة مباشرة لمتطلبات المواطنين لكنها عُمِلَتْ على إستحياء، ربما تجنباً لإعطاء الإنطباع بأن الدولة تتنازل ومنعاً لأية مطالبات جديدة أو متجددة. إلا أن تلك الإجراءات بالطبع لم تعتبر من قبل عامة الجمهور بأنها تشكل حلاً ناجعاً للأزمة، وهي ليست كذلك بالتأكيد.
لقد تم إقالة حكومة سابقة لم تعي المتغيرات وتتعامل معها بالشكل المناسب وفقدت حاسة الإستشعار عن قرب مما يجري حولها وبناءً عليه فقد كانت حكومة تقليدية، ظاهرها ليبرالياً بمفهوم الإنفتاح على إقتصاد السوق ووجود وزراء وصف عدد كبير منهم بالحداثة بالمعنى الفني في قريتنا العالمية الكونية، إلا أنها كانت أقرب ما تكون الى الحكومة العرفية كونها إستندت الى خبرات إدارات حكومات سابفة إدارت البلاد في ظروف معينة، بالرغم من تغير الظروف والمؤثرات المحيطة. وتماشياً مع الضغوطات المختلفة فقد شكلت حكومة جديدة برئيس يجمع من الخصائص ما أعتبر بأنه رئيس الوزراء الملائم للمرحلة.
والحقيقة ولغرض تقديم نقد موضوعي يتوخى المصلحة العامة والإشادة بالإنجاز عند حصوله فيمكن القول أن الحكومة الحالية وخلال فترة سبعة أسابيع خلت، تخللها الحصول على ثقة مجلس النواب ونقاشات الموازنة، قامت بإنجازات تحسب لها وأعطت إنطباعات جيدة في بادئ الأمر إلا أنه من الصعب إثبات ذلك للمواطنين الذين لديهم متطلبات لا يمكن تلبيتها جميعاً في المدى القصير مما قزَّم حجم الإنجاز السريع لهذه الحكومة، إضافة الى تخبطها النسبي في إدارة الأحداث المؤسفة التي حصلت خلال الاسبوع المنصرم. ولكي لا أعطى الإنطباع بأنني أدافع عن هذه الحكومة لغرض في نفس يعقوب فأذكر القارئ الكريم بمقالات مقنعة تطرقت لهده الإنجازات جرى نشرها خلال الاسبوع قبل الماضي. وبالرغم من ذلك فهناك إنتقادات لبعض القرارات التي تم إتخاذها من قبل الحكومة مثل تلك المتعلقة بالتعليم العالي وتشكيل لجنة قضايا الفساد ومنهجية تشكيل لجنة الحوار الوطني.
إن الشعور بعدم الرضا لا يزال موجوداً لدى عدداً ليس قليلاً من المواطنين ولا بد من الملاحظة بأن هناك توظيف سياسي مباشر للإحتجاجات من قبل أفراد وجماعات لم تسنح لهم الفرصة سابقاً بالتعبير المباشر عن مكنونات ما يسمى بأجنداتهم الخاصة. لذلك فهناك من يعمل على إستغلال الظروف بذكاء وهناك حالات من إستغلالٍ للمواطنين الذين لديهم شعور حقيقي وشرعي بعدم الرضا. وبمعنى آخر فإن هناك خلط متعمد للأوراق ظهر في تباين الطروحات بين الجماعات وبعض قياديها. وحيث أنه لا يوجد إتفاق موحد على ما يريده غالبية المواطنين من إصلاح سياسي فلك أن تتخيل كيف يمكن أن تتطور الأمور والمطالبات ككرة الثلج المتدحرجة بدون ضوابط، وكيف يمكن أن يتم توظيف الظروف العالمية والإقليمية لاحداث ضغوطات قد تشكل تنازلات على الدولة يمكن القول بأنها ليست في مصلحة الوطن على الأقل.
وبناءً على ما تم التطرق له في الفقرات السابقة فإن الوضع يتطلب التقييم المرحلي، وقد تقتضي الأحوال حالةُ من إعادة التموضع من قبل الدولة لادارة الأزمة الأردنية أو الوضع الراهن بحيث تبين بشكل مُبرَّر ما تعتقد بأنه يشكل مصلحة عليا للوطن لا يَتَّبِع أهواءً شخصية ولا رغبات لأفراد أو جماعات في إستمرارية المحافظة على نفوذهم. وقد يتطلب الأمر توضيح الضوابط والخطوط الحمراء لمملكة عصرية لا تسمح بحالات فوضوية. إن هذا الوضوح في الطرح والشفافية والمصارحة لا يعني الإعتماد على أفراد الآلة الحكومية وأجهزتها فقط ولكن والأهم هو كسب رضا غالبية المواطنين الذين ستتوضح لهم الصورة وسيقومون تلقائياً بتبنى الطرح الذي يُظهِرُ للعيان تحلّيه بروح العدالة والمساواة بينهم عن قناعةٍ تامة بالمصلحة العامة وسيكونون، كما هو المتوقع، جنود الدولة في الدفاع عنها وعن مكتسباتها وبالتالي ما يشكل دفاعاً عن مصالح المواطنين أنفسهم. وفي هذا المقام فإنني أقترح الخطوات التالية التي تشكل الإعتبارات الإستراتيجية الهامة المتماشية مع الرؤيا الملكية العليا، والتي يجب طرحها مع تغطية إعلامية مكثفة على أن يراعى التسلسل الترتيبي في التطبيق:
1- توضيح خطة متابعة حالات الفساد الإدارية والمالية السابقة وكيفية التأكد من إسترجاع جميع الحقوق المترتبة للدولة وللمتضررين وبأسرع وقت ممكن.
2- بيان الخطة الشاملة لمكافحة الفساد وتحت شعار “لا فساد بعد اليوم” والتي تتضمن الإجراءات الصارمة لمتابعة الموضوع مع توضيح لجميع القوانين والأنظمة والتعليمات التي لها علاقة بالمسائلة والمحاسبة والعقاب.
3- توضيح موقف الدولة وتمشياً مع ذلك إنجاز التشريعات المتعلقة بتحديد من هو المواطن الأردني في المملكة الأردنية الهاشمية بشكل لا لبس فيه وليس على إستحياء وبدون تسويف.
4- إنجاز قانون الانتخاب المناسب والذي يأخذ بالاعتبار المصلحة العليا للدولة وإكمال الإجراءات التشريعية لاصداره، بالاضافة الى القوانين الأخرى مثل قانون الأحزاب.
5- حل مجلس النواب لغرض القيام بإنتخابات نيابية حسب القانون الجديد.
6- بيان حدود التعديلات الدستورية التي تحقق مصلحة الوطن ضمن الملكية الدستورية القائمة حالياً مع شرح الأسباب الموجبة وبدون ترك المجال للتفاوض مع أية جهة. بالاضافة الى تحديد الجدول الزمني لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ذلك.
7- القيام بإستفتاء عام على الدستور المعدل 2011 وإعتماده في حالة الحصول على الأغلبية.
8- تشكيل حكومة جديدة.
9- إنتخاب مجلس النواب السابع عشر حسب القانون الجديد.
10- متابعة إنجاز التشريعات للقوانين اللازمة لدولتنا العصرية.
ما تقدم جهد متواضع لكنه مخلص وحريص ولعلَّه عملي ومطلوب في الظرف الراهن، والله من وراء القصد.


Recent Comments